بحسب تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025، من المتوقع أن تتغير حوالي 39٪ من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول عام 2030 – وهو تحول جوهري، وإن كان أقل من التقديرات السابقة لعام 2023 التي بلغت 44٪. يعود هذا التحول جزئيًا إلى التركيز المتزايد على التعلم المستمر، وتطوير المهارات، وبرامج إعادة التأهيل المهني، مما يمكّن المؤسسات من التكيف بصورة أفضل مع احتياجات سوق العمل المتجددة والمتغيرة بسرعة.

تتصدر المهارات التكنولوجية قائمة المهارات الأسرع نموًا في الأهمية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، الشبكات، الأمن السيبراني، والثقافة الرقمية الشاملة. وفي الوقت نفسه، تتزايد الحاجة إلى المهارات الإنسانية مثل التفكير الإبداعي، الحصانة النفسية، المرونة، حب الاستطلاع، والتعلم مدى الحياة – مما يعكس الحاجة إلى نهج تكاملي في تطوير رأس المال البشري.

وتُستكمل قائمة المهارات العشر الأهم في المرحلة القادمة بمهارات القيادة والتأثير الاجتماعي، إدارة المواهب، التفكير التحليلي، والمسؤولية.
هذه المهارات تسلط الضوء على أهمية إعداد الأفراد ليس فقط لأداء مهام تقنية، بل أيضًا لأدوار قيادية، تعاونية، وقيمية في مجتمعاتهم.

كمختصة في مجال المهارات وتطوير الشباب ومديرة السيرورة الاستراتيجية للشباب غير المؤطر في مؤسسة الفنار، أرى أن هذه التوجهات العالمية لا تمس فقط مستقبل سوق العمل على المستوى العام، بل تحمل أبعادًا أكثر عمقًا وخطورة عندما ننظر إلى واقع الشباب العرب، وبشكل خاص أولئك الذين يُصنفون ضمن فئة “الشباب غير المؤطر” – أي غير المنخرطين في التعليم، أو العمل، أو أي برامج تدريبية. هؤلاء الشباب يواجهون تحديات بنيوية ومجتمعية مركبة، تشمل فجوات في الوصول إلى الموارد، غياب شبكات الدعم، ونقص في البرامج التي تتماشى مع احتياجاتهم وواقعهم الثقافي والاجتماعي.

في هذا السياق، فإن التحول العالمي في المهارات يمكن أن يشكل تهديدًا بتعميق الفجوات، أو في المقابل، فرصة استراتيجية لإحداث نقلة نوعية. لكن ذلك يتطلب تدخلًا ممنهجًا واستثمارًا جادًا في بناء منظومات دعم متكاملة – تشمل أنظمة تعليم بديلة، شراكات بين القطاعين العام والخاص، برامج موجهة في السلطات المحلية، وأطر تمكينية تنطلق من المجتمع نفسه.

تمكين الشباب العرب من اكتساب مزيج متوازن من المهارات التقنية والمهارات الحياتية والقيادية ليس فقط مفتاحًا للاندماج الاقتصادي، بل هو أيضًا مدخل أساسي للتمكين الشخصي، الاجتماعي والسياسي. فالاستثمار في هذا الجيل هو استثمار في مستقبل أكثر عدلاً، وازدهارًا للجميع.

إن الفترة الصعبة التي نعيشها اليوم تضع على عاتقنا مسؤولية مضاعفة كأكاديميين، كمجتمع مدني، كصانعي سياسات وكقادة رأي – لتوحيد الجهود وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تفتح آفاقًا حقيقية أمام الشباب العربي، وتمنحهم القدرة على صياغة مستقبلهم، لا أن يكونوا ضحاياه.

نحن في مؤسسة الفنار، ندير السيروه الاستراتيجيه القطريه للشباب غير المؤطر في المجتمع العربي،من خلال تطوير وتفعيل برامج متنوعة، مركز تطوير وابحاث من أجل التأثير على الميدان والتأثير على السياسات الحكومية. وذلك بالتعاون مع الاطراف ذات الشأن مثل المجالس المحليه، الوزارات المختلفة كوزارة التربية والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني .

بقلم د.فهيمة عثمان أبو الهيجاء، مديرة السيرورة الاستراتيجية للشباب غير المؤطر في المجتمع العربي بمؤسسة الفنار.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]